بـدون تعليـــــــق

___________________________

الاثنين، يوليو 9

عن لغتنا المستحدثة

كنا قد اتفقنا -للمرة الثانية- من باب "بل ريق البلوج سبوت" ونفض التراب الذي غطى مدوناتنا أن نعود للكتابة سوياً في يوم محدد, و"نا" الفاعلين هنا تعود عليَّ ومجموعة من زميلات التدوين اللاتي فيما يبدو يعانين من نفس متلازمة الرغبة المحمومة في الكتابة والمصحوبة بفقدان تام للقدرة على إكمال سطرٍ يتم البدء في كتابته.

ولأنني -كما تأكدت مؤخراً- فاشلةٌ تماما في الكتابة خصوصاً -والتعبير عموماً- حين يكون مطلوباً مني أن أفعل, خالفت الاتفاق مرة أخرى وتأخرت عن الموعد المحدد يومين كاملين. قضيتهما في صراعٍ مرير مع ذاتي ومحاولة للتغلب على هذه المزاجية المقيتة في الكتابة.
هناك عشرات الأفكار المطروحة والتي يمكنني الكتابة عنها, لماذا لا أكتب عن اكتمال القمر الذي اكتشفت مؤخراً انه أقل جمالاً من الطور الغير مكتمل؟ أو عن القرار الجمهوري الذي أعادني لعالم السياسة بعد إجازة لا إرادية دامت أياما؟ أو .... أو .... أو.

وبالطبع -كعادتي- أعجز عن الكتابة عن أي مما أقرر الكتابة فيه متعمدة. فلا كتبت عن القمر ولا عن القرار.
ومر اليومان, وفي ساعة من الساعات الأخيرة أجد ما أكتب عنه, في تلك اللحظة التي ضبطت نفسي فيها متلبسة بقول "فًكّك" في رد على أخي الأصغر تعقيباً على مسألة ما كنت أريد أن أخبره بأن يصرف نظره عنها.

يدرك كل من يعرفني جيداّ أنني تربطني علاقة حميمة باللغة العربية وأنني أحب استخدامها كثيراً وأكره الإساءة إليها. بالطبع هذا لا يعني أنني أحيي أمي حين ألقاها بعد استيقاظي قائلة "عمتِ صباحاً". إنما أنا فقط أحبذ استخدامها كثيراً في التواصل عبر الفضاء الإليكتروني وأكره في المقابل كُتاب العامية واختراع "الفرانكو آراب".

هذا بالحديث عما نكتب, أما إن تحدثنا عما نقول, فتلك قصة أخرى .. أذكر جيداً منذ سبع سنوات حين سمعت صديقتي المهذبة جداً تعلق على موقف ما قائلة قشطة أو "إشطة" أنني صدمت صدمة شديدة, شعرت يومها باشمئزاز شديد من الكلمة وبغضب من استخدام صديقتي لمثل تلك الكلمة "البيئة" .. اليوم أنا أستخدم هذه الكلمة دون أدنى شعور بالاشمئزاز أو الضيق, بل أنني لا أذكر حتى تلك المرة التي استخدمت فيها اللفظة للمرة الأولى أوالمسافة الزمنية بين تلك المرة الأولى والوضع الحالي الذي صارت هذه الكلمة من المفردات المعتادة جدا في قاموسي اللغوي.

كل هذه الأفكار دارت في ذهني في تلك اللحظة التي وجدتني فيها أخاطب أخي الأصغر قائلة ( فًكّك) .. كيف أستخدم تلك المصطلحات التي كنت أرفضها يوماً؟ وهل هذه هي المرة الأولى التي أستخدمها أم أنني فعلتها قبلاً دون أن أنتبه؟
يمكنني أن أهون على نفسي قليلاً بالقول أن " فًكّك " لها أصل في اللغة (فكّ الشيء فكّاً: أي فصل أجزاءه) وهنا لا أكون قد ارتكبت جريمة في حق اللغة وحق نفسي حين أستخدم هذه الكلمة.

 (تبالغين جداً) .. أعتقد أن هذا ما يدور في ذهنك الآن .. وأعتقد -أنه طبقا لما نعيشه- أنت على حق, لكن طبقا لما أؤمن به لا أنت على حق حين تراني أبالغ ولا أنا على حق حين أفعل ما كنت أشمئز منه يوماً ما دون تغير مقنع يجعلني أقبل على ذلك.

قد أجد مبررا لاستخدام " فًكّك" لكنني يستحيل أن أجد مبرراً -وربما أنت أيضا- ل "نهيس" "مهيبر" "كوول"* أو أن "اللي فات حمادة واللي جاي حمادة تاني خالص" فحتى وإن كان حمادة اسم عربي فأنت بالتأكيد لا تعرف لماذا لا يكون اللي فات ميدو واللي جاي ميدو تاني خالص مثلا؟!
 كل هذه المفردات والمصطلحات -وأغرب منها- التي لا نعرف لها معنى أو نعرف أنها من لغة غير لغتنا أصبحت جزءا لا يتجزأ من قاموسنا اليومي. حتى هؤلاء الذين يرفضونها في البداية تجدهم يقبلونها ويسلمون بها في النهاية بشكل ما. ما يجعلني أتساءل هل سيأتي يوم يصبح فيه قاموسنا اللغوي عماده تلك المصطلحات التي لا أصل لها عندنا؟!

هذا عن علاقة المصطلحات باللغة وهو شقّ, أما الشقّ الآخر فهو علاقة المصطلحات بنوع قائلها .. فهل يجوز لفتاة أن تستخدم عبارات من نوع "قشطة و  فًكّك" هي في البداية قد ظهرت في أوساط ربما يعتبرها كثيرون منا "دون المستوى"؟!  والسؤال عن الجواز هنا غير مرتبط بالفتاة من تلك الناحية التي تتضمن شيئا من تصنع الرقة أو افتعال الأنوثة أو ارتفاع المستوى الاجتماعي, ولا هو مرتبط بها من ناحية كونها أقل حرية وأكثر حاجة للضبط الأخلاقي والعقلي من الرجل, وإنما هو مرتبط بالفتاة من حيث كونها أنثى ومن حيث انتمائها لأولئك اللائي وصفهن سيد الخلق ب"القوارير" ومن حيث تميزها في خَلقها -والتميز هنا لا يعني الأفضلية- بصوت أكثر رقةً وهدوءً ونعومةً  من صوت الرجال؟


كل هذا يجعلني أتساءل هل من الطبيعي أن تتحدث كل فئات  المجتمع المتفاوتة ثقافياً وأخلاقيا -لا اجتماعياً أو اقتصادياً-, وتتحدث الإناث كما يتحدث الذكور نفس اللغة بأغلب ما تحويه من تشوه وعوار؟!!
____________
* ربما قد تدهشك اختياراتي للمصطلحات الغريبة التي تم استحداثها.. لكنني لا أحب أن أقول ما هو أكثر من ذلك.


تدوينات الصديقات:
خبطتين في الرأس

ثنائية تسكع

هناك 4 تعليقات:

هدهد سليمان يقول...

الكلمات البديله في لغتنا العربيه وفي مجتمعنا المصري بلهجته العاميه المحببه خاصةً له فيما اعتقد سببان :

أولهما أن لكل جيل تعبيراته الخاصه وكلماته المستحدثه ومن الظلم أن نحمل هذا الجيل مسؤولية هذه الظاهره , أذكر أن والدي قال لي أن والده صفعه وعنفه عندما سمعه يقول كلمة (طنش) .. تعجبت وضحكت عندما سمعت هذه القصه .. ما الغريب في كلمة (طنش) ؟؟ ولكنها كانت بالنسبه لوالدي كلمه جديده مستحدثه أما بالنسبه لجدي فقد كانت بدعه وانحراف لغوي.

التمرد من طبيعة الشباب والتمرد علي الكلمات والمصطلحات جزء من هذا التمرد ,إانه عشق كل ما هو جديد, البحث عن كل ماهو غريب ومميز , يبحثون كل سبيل عن كيف يخرجون من عباءة الكبار وعن كيفية خرق قواعدهم الصارمه في انتقاء الكلمات ومصطلحات الحديث .. هي قاعده في كل جيل تتغير تفاصيلها مع متغيرات الزمان والمكان ويظل اطارها العام ثابت علي مر العصور

السبب الثاني في اعتقادي لهذه الظاهره هو سبب يتعلق بهذا الجيل خاصةً , إنه عصر السرعه .. كل ما نعيشه ويدور حولنا يهرول ويسابق الزمن ولا اندهش ان يطغي هذا علي طريقة الحديث , كل من يحدثك يريد ان يصلك المعني في اسرع وقت , يبحث عن اي عباره تختصر الطريق الي عقلك بأقل جهد , اتذكر الان فيلم(بين القصرين) وطريقة"أمينه رزق" في الحديث , كيف ل( سي السيد) أن يتحمل مثل هذا البطء في الحديث ؟؟ لقد كان لهم قدره هائله علي الصبر!!
حين سمعت لاول مره عبارة ( قشطه جدا الديك بيدن) في مسلسل تلفزيوني تدور قصته حول الشباب وفترة المراهقه كنت طفلا وقتها وظللت ارددها كثيرا فرحا بالتعبير الجديد والمميز ولكن عندما كبرت وبدأت في التفكير في معاني الكلمات وجدتهاجمله للتعبير عن الاستحسان فقط لا غير وبالفعل ظلت الكلمه تتقلص حتي اختُذلت في كلمة(قشطه) , كذلك كلمة (كبر دماغك) اصبحت الان (دماغك) وظلت الكلمات تُختذل وتصغر وتتعدد المرادفات قليلة الحروف عميقة المدلول لحمل اكبر قدر من المعاني في اقل عدد ممكن من الكلمات باشكال جديده تميز كل جيل عن سابقه وسنظل كعادتنا نستهجنها حين سماعها للوهله الاولي ثم نكررها ثم مع الوقت نعتادها ثم نعتبرها جزء لا يتجزأ من حياتنا لا يمكن الاستغناء عنه , فحين أفكر اليوم عن مرادف لكلمة (فكك) يحقق المعني ولا يخل به أجدني في حيره من أمري .. ترد علي ذهني ( كبر) فأجدها كسابقتها فأبحث عن أخري .. أهي (دماغك) ؟؟ هي أيضا مثلهما .. إذن فهي (نفض) !!!
ما التعبير الذي كنا نستخدمه قبل (إختراع) مثل هذه الكلمات؟؟ .. حقا إنها لغه معبره وعميقة المدلول !!

وهذه النقطه هي أخطر مافي الموضوع .. لا أجد اي مانع من استخدام مصطلح سريع متعارف عليه ( غير شاذ او خارج تنفر منه الأذن ) لإيصال المعني ولكن بشرط ألا ينسينا لغتنا العربيه ومصطلحاتنا وتراثنا من اللهجة المصرية العاميه حتي لا يتحول الأمر إلي لغه جديده

Aya يقول...

أذكر أنني عانيت نفس الأمر أول مرة قلت فيها ببساطة: "طنّش" ..
كانت بالنسبة لي سقطة مريعة حاولت ألا تتكرر، لكنها تكررت و تكرر غيرها الكثير !
أظن الأمر مرتبط بحالة لا إرادية من تكرار المصطلحات من حولنا في حالة من الإنهماك اللاواعي في تفاصيل أخرى ..

الأمر مقلق خصوصاً حين أرى فتيات يتحدثن فعلاً كما يتحدث الأولاد و بشكل فج كأن إستخدام بعض الألفاظ الشاذة المستفزة سيجعلهن أكثر إستقلالية !
صدقيني "طنّش" و "فكك" و "إشطة" تبدو كألفاظ جديرة بطلاب الحضانة بالمقارنة بما أسمعه و أراه يرد على لسان و في ردود بعض الفتيات بنات العائلات المثقفات ..

dina يقول...

حمداً لله على سلامتك و سلامة قلمك ,أيوة كدة :)
الموضوع دة على فكرة كنت بفكر فيه,كنت لسة بقرأ فى كتاب الدكتور أبو الفتوح ازاى أن أول هزيمة اتهزمناها أمام اسرائيل كانت إعادة إحيائهم لتراث لفتهم,و اهتمامهم بيها .
افتكرت كلام مدرس كمان كان بيعلق على اللغة دى أول ما أبتدت تستشرى كدة لقيته بيقولنا إنتوا ما اخترعتوش حاجة جديدة,اللغة دى طول عمرها متداولة فى المجتمع بس بين طبقات العمال و الصنيعية و كدة,مكنتش مصدقاه الأول بس رجعت أتفرج على أفلام قديمة نسبياً لقيت فعلاُ لما بيتكلم الطبال أو الصنيعى أو العامل بيقول اللى احنا فاكرينه اختراع دة بالظبط :D
يبقى السؤال بقى دى حاجة كويسة ولا وحشة؟ دة تذاوب و امتزاج بين طبقات المجتمع ولا دة فشل للطبقة الأعلى نسبياً إنها تشد الطبقات الأخرى ثقافياُ على الأقل..
بس بصراحةأنا كنت رافضة أغلب الكلام دة فى بدايته و كتيييييير بظبطنى بقوله بشكل دورى يعنى :D

الجنوبى يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.