
هذه المرة أحدد أشخاصا بعينهم لتصلهم رسائل ، لعلها تعبر عن نصف ما يضيق به صدرى ولا ينطق به لساني ...
-----
.... رسالتي الأولى لـ (أمي – أبي )
هيا نبدأ ...
... صبرا جميلا
إن ضوء الصبح لآت ....
في زيارتها الأخيرة ، وفى نفس الإهداء ، في آخر أوراقه ، كتبت لي أمي من كلمات جويدة ، تلك الحروف السابقة .
رغم أنى أعز مالها في الدنيا ، ودموعها أسرع من الشلالات لأبسط المواقف الإنسانية حتى التي لا تمت إليها بصلة ...
فهي لم تسمح لأحدى قطرات الضعف الرجولي (كما ينطبق عليها عندنا في الصعيد ) – لم تسمح لها نزولا ، وهى تحتويني بين ذراعيها ، وكأنها تمتص ما امتلأ به صدري من أشجان و اشتياق ، وكراهية (للعتمة ) لتحمله عنى .....
وكراهيتي للعتمة التي أصبحت وأمسيت و خاصمتني صديقتي الشمس فيها .....
حتى في فضاء السماوات وكأنها غادر الأرض وراحت تبحث عن مكان غير (طره ) لتستقر فوقه !!
كما ....
علمتني أن تاجَ المرءِ في نبل الصفاتْ
أن الشجاعةَ أن أقاوم شح نفسي ....
أن أقاوم خسةَ الغايات ....
هذا ما ربتني عليه ....
وكأن عينيها تكاد (في زيارتها لي في طره ) تحكى قصة يوسف الصديق ، والتي حفظتها عن ظهر قلب ....
وتكرر ما نزل على المصطفى عليه الصلاة والسلام ....
(إن مع العسر يسرا )
فسلاما عليك يا أمي ... (وسامحيني تعبتك معايا )
لم أوفيك ولن أستطيع ، وكالعادة خيانة الأقلام تأتى وقت كتابتي لأحب الناس ...
وقبل الختام أكتب إليك أمي بكلماته أيضا
شاخَ الزمانُ وطفلك المجنونُ
مشتقاقِ لأولِ منزلِ
مزال يطربُ للزمان الأولِ
وختامي لنفسي
(ربي اجعلني بارا بوالدتى ولا تجعلنى جبارا عصيا )
-
رسالتى الثانية : اكتبها منطبق علىَّ فيها (مذبذبين بين ذلك لا إلى ... ) هذا ولا إلى هذا ....
فرسالتى لوالدي تطاردنى فيها نظراته ، التي دائما ما كانت رسائل لا أستطيع كتابتها أو ترجمتها لحروف ...
فهي تصل ولا تترجم بالشفاه ، حتى وإن ادعيت (الغباء )، وعاندت ، واسترجعت كلامي معه في طفولتي العنيدة
لم يفهمنى ولم أفهم فى دنياي أكثر منه فقراءة العيون أسهل كثيرا ، وأسرع من الكلمات ، والغناء ، والبكاء ، والضحك و الحزن والفرح ....
فكلها تقرأ فى لحظة الالتقاء ...
(والله ما عارف أكتب له حاجة بجد )
كلما هممت اكتب كلمة لا أري على الورقة إلا عيناه ، بعمقها ، وتجاربها ، ومعانيها ، وحروف وكلمات أودنا كثيرة ترها إن أجدت تلك اللغة
عيناه
لامتنى كثيرا ، خافت علىَّ كثيراً ، أدمعت سراً ، دعت ، ابتهلت ، خشعت ، قوتنى مرارا وتكرارا ...
كلمات أكثر واسترسل فى الكلمات ، أشعر باحتقان لأن الحروف تموت حين تقال ، كما قال نزار قبانى ....
قبلة بين عينيك أبي ، وعلى ذلك الجبين ، وعلى كف سال العلم من بين أصابعه .....
سامحنى أبي خيانة الأقلام داء !!
(ربي ارزقنى عليما وعملا ، لأوفى أبي وأمى ويبلغنى جنتك )
وكالعادة لكي أختم ...... ألقى سلاماً
فسلاما لما تبقى بداخلى من طفولة ... أحاول المحافظة عليها !!!
أذكر جيدأ رسالته الأخيرة قبل أن يذهب -أو يُذهب به- إلى هناك, أسماها "كلمات متقاطعة" ,فيها كان يتساءل عن مصر, الحب, فلسطين, الله, الحياة, الكون وضم إليها أسئلة أخرى عن الجيش و الفلوس!
فيها كتب شروحا لبعض تساؤلاته وإجابات ليعض أسئلته وظل الأكثر بلا رد, مثلنا هو, لا يزال يصنع الأسئلة وهو يخطو خطواته نحو عامه الثالث والعشرين.
11 فبراير 2011 .. كملايين غيره .. للمرة الأولى يستنشق نسيم الحرية الذي لم يعرفه منذ وُلد, للمرة الأولى صار من حقه أن يحلم دون أن يخشى ضياع الحلم.
9 سبتمبر 2011 .. كعشرات غيره .. وجد نفسه بين جدران زنزانة ضيقة بتهمة "بلطجي", تمر عليه الأيام بين عتمة الزنزانة وعتمة الروح التي يطفئ نورها القهر. ربما يستعيد ذكريات الأيام والشهور السابقة "عيش حرية عدالة اجتماعية" "إحنا كرهنا الصوت الواطي" "يا حرية فينك فينك" "الشعب يريد...." ربما تختنق في عينيه العبرات وتختنق في عقله الأسئلة, وبصبر القلب على شفا حفرة من اليأس.
1 أكتوبر 2011 .. وحده يكتب رسالته تلك متشبثا بالإيمان الذي لم يعد يملك غيره .. الإيمان بربه أما الإيمان بـ"ها" فإني كغيري -خارج الزنزانة- لا ندري في أي لحظة من "العتمة" يمكن أن يكفر الإنسان بالوطن!!
هناك تعليقان (2):
إرسال تعليق