
"سنرجع يوما إلى حينا..ونغرق في دافئات المنى"* كل صباح وحين ينطلق صوت الأغنية ليملأ جنبات غرفتها, يكون ميعاد استيقاظها, تفرك عينيها بهدوء, تنصت في صمت إلى الكلمات التي لم تفهم يوما سبب عشقها لها.
هذا الصباح, عند السابعة, وحين انطلق الصوت, لم يوقظها, فهي لم تنم الليلة الفائتة, كانت تخشى أن تسدل أجفانها فيأتيها الصبح سريعا في غفلة منها.
"ومازال بين تلال الحنين وناس الحنين مكان لنا"* عند هذا المقطع تغلق منبهها, الآن لم تعد تصدق تلك الكلمات.
بضع ساعات تبقت على اللحظة التي تخشاها, كل ما حولها يبدو مستعدا لوداعها, نوافذ بيتها المغلقة, مقاعد الصالة التي تغطيها الملاءات البيضاء, ثلاجتها الفارغة ومزهريتها الخالية من الزهور.
لم تتخيل يوما أن تفارقه, منذ سنوات كانت تتعجب من أولئك الذين يستسلمون للفراق ويختارون الرحيل, كانت دوما ترى أنها لم تتعلم حبه, قد ولد معها حين ولدت, لكن اليوم هي أعلنت استسلامها مثلهم, لم تتحمل قسوته عليها, سامحته مرارا, لكنه لم يبادلها الحب يوما, قد قتل فيها كل المعاني الجميلة, أحلام الطفولة وآمال الشباب, اليوم لم يعد حبه سوى خنجر لا تزال عاجزة عن انتزاعه من قلبها, تعلم أنها ليست ضحيته الوحيدة, كثيرون قتلوا قبلها, الآن صارت ذنوبه لا تغتفر.
حان الوقت, تحمل حقائبها, تتأكد أنها لم تنس شيئا, تتحسس دقات قلبها كي تتأكد أنها لم تتركه خلفها, قبل ان تغادر, تحاول أن تملأ رئيتيها من ذاك العبير, متسائلة ما إن كانت ستعود إليه مرة أخرى..
تصعد السلم, مع كل درجة تقترب الإجابة منها, تزيدها ألما, تقترب, فلا تملك إلا أن تسلم لها. عند الباب, تلتفت كي تلقي إليه بنظرة أخيرة, لا يزال يعطيها ظهره في صمت قاتل.
تستقر في مقعدها الذي اختاروه لها بعيدا عن النافذة, يعاودها اللحن, وتتوه منها الكلمات, يتراءى لها ذلك العندليب*, يبدو حزينا صامتها هو الآخر, لم ينطق كي يخبرها بالعودة.
حين تبدأ الطائرة في التحرك, تكتب الحكاية سطورها الأخيرة, ترحل إلى تلك البلاد الباردة, لا تحمل منه في جعبتها سوى بعض ذكريات, واسمه المكتوب في جواز السفر....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*سنرجع يوما_ غناء فيروز_ كلمات هارون هاشم رشيد_